الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة يتضمّن حوالي 96 عملا تشكيليّا: "جلّنار" صالون صفاقس السّنوي للفنون: إبداع وإبتكار في رحاب المعاصرة

نشر في  10 أفريل 2022  (21:56)

لأنّك يا ربيع زائر تحمل في كفّيك الشّمس والأزهار والظّلال، وتهبُ عشّاقك البهجة والخيال، فإذا سحرك أغوانا مددنا لك يد الهوى، فأسعَدتَ قلوبا هفت إليك لأنّك ليس من خلائقك الكبرُ، ولأنّنا في صفاقس تَكونُ شرعَتُنا في هواك العطاءَ ما طال الدّهرُ، ففي كلّ إطلالة لك علينا، وفي حضرة جمالك، وعلى شرف سحرك، تتحوّلُ صفاقس إلى أيقونة للفنّ والإبداع والجمال، وتتفرّد بالأناقة والحسن في روائع الإتحاف والأعمال، وترسل سحرها وأنوارها إلى فضاءاتها الّتي تلألأت بما جاد به الفكر والخيال، وتفتح حضنها هذه المرّة للدّورة السّابعة والعشرين لتظاهرة صالون صفاقس السّنوي للفنون تحت عنوان "جلّنار"، وكان الإفتتاح عشيّة الأربعاء 30 مارس 2022 بقاعة الأفراح والمؤتمرات البلديّة، وسيكون الإختتام مساء السّبت 16 أفريل 2022.

إنتظرنا وطال انتظارنا لموعد الإفتتاح والإنطلاق، وأخذتنا في حضنها الأشواق، وكم يطول الوقت على المشتاق، وكم يزداد الحنين إلى لقائك يا ملجأ المشاعر والأذواق. وفي لحظة تحمل السّعادة بكلّ معانيها، حانت ساعة اللّقاء ودقّت ثوانيها، فمضينا في طريقنا بمُهَج حَرَّى وقلوب مسّها الشّوق فذابت من أمانيها، حتّى أدركنا الصّالون الّذي من أجله سهر الشّوق في العيون، وفيه ضالّة عاشق الإبداع ومن به مفتون، هذا هو قصر السّحر والأنوار ومنتجع الفنون، هنا تُعزف السّنفونيّة السّابعة والعشرون لصالون صفاقس في حضرة الخيال والتّميّز والبهاء، هنا يتآلف الابتكار والإحساس والأضواء، هنا ألوان الأرض والسّماء، هنا ألوان اللّيل والضّياء، هنا إبداع آدم وحوَّاء.  

حوالي 96 عملا تشكيليّا شمل اختصاصات متعدّدة كالتّصوير والحفر والخزف والفسيفساء والفوتوغرافيا والفيديو... أعمال عالج من خلالها مبتكروها مفاهيم إبداعيّة معاصرة منحت لوحاتهم طابع المعاصرة والتّجديد، الّذي تخطّى حدود المألوف من مواضيع وأشكال للتّعبير وطرق للتّنفيذ، وأصبح يرتكز على المفهوم والفكرة المستحدثة، المثيرة للتّأمّل والتّعمّق والتّصوّر، إذ لم يعد يتمثّل هاجس الفنّان في إنجاز وصياغة رسم منظوري كلاسيكي، بل صار يبحث ويتطلّع إلى المفهوم الجديد الّذي سيقوم عليه عمله الفنّي وسينطلق من محتواه وعلى أساسه ممّا يؤدّي حتما إلى تعدّد التّناولات والتّصوّرات واختلاف التّجارب الفنّيّة النّاقدة للواقع وتنوّعها وذلك وفق سياقات إبداعيّة مستحدثة ومختلفة ناتجة عن تنوّع الرّهانات والتّوقّعات والخلفيّات الفكريّة والمرجعيّة الّتي يحملها المبدع.

حيث أعيد من خلال هذا المعرض طرح العديد من المسائل التّشكيليّة الّتي تمّ تناولها في الفنّ المعاصر بأساليب متنوّعة تكرّس الحضور الفعلي للأثر في أبعاده الخطّيّة واللّونيّة والمادّيّة. ففي أعمال الفنّان خليل قويعة، نجده يتساءل باستمرار عن هويّته، فمن خلال الخيال والحلم، يجعلنا نكتشف كونه الّذي لا ينحصر في ذاكرة الإشارة والحركة واللّون والضّوء، ولكنّه يشير إلى "الحاجة الدّاخليّة" (nécessité intérieure) الخاصّة والمفاهيم الملموسة، عبر معالجته لمواضيع في علاقة بالطّبيعة والحياة، حيث يعتمد بعض الرموز الطّفوليّة كالعصافير والأسماك... لتكتسح سطح لوحته مؤلّفة تكوينا متجانسا يصعب فيه الحديث عن ثنائيّة الشّكل والخلفيّة، انصهر فيها الحامل بالمحمول والّتي نتبيّن من خلالها أنّ الفنّان قد عمد في هيكلة عمله الفنّي إلى تناول اللّوحة ككلّيّة شاملة، هي اللّوحة وهي الأشكال، أشكال وعلامات سرّيّة تتدخّل كنظام أيقوني وسط ثراء مادّيّ وبصريّ لعب دورا في إحداث ملمس كثير التّنوّع. تتّحد في عمله هذا المياه والرّمال، البحر والصّحراء وينعكس ذلك في الألوان التّرابيّة المعتمدة إلى جانب اللّون الأزرق، كذلك في المواد الموظّفة كالتّراب والّذي منحها بذلك بعدا أيكولوجيّا في علاقة الأرض والحياة، حيث أنّ الأرض بالنّسبة له ليست شيئا يرسمه بل أصبحت هي الأدوات، ليتحوّل فضاء اللّوحة إلى نظام من المعاني والإشارات تعبّر عن طاقة الإبداع لدى الفنّان.

كما وجدت الفنّانة هندة بوحامد في المكان ما يحتضن "الذّاكرة" الّتي تربطنا بموروثنا وحاضرنا ومستقبلنا، حيث ارتبط المكان في أعمالها "بأنطولوجيا الذّات" أي رؤيتها الذّاتيّة للوجود والأمكنة، أين بحثت الفنّانة في فكرة اللاّنظام وتعدّد المشاهد في اللّوحة ما يستدعي بالضّرورة خيطا رابطا بينها... لذلك التزمت بالخطّ وتفاعلاته مع اللّون ليتمظهر ضمن الزّمنيّة والحيزيّة وسط مشهديّات متنوّعة ومتواترة بين المسطّحات اللّونيّة والقرافيزمات والخطوط المتشابكة بهدف خلق بنائيّة محكمة تتّسم بالحركيّة والدّيناميكيّة. هي ديناميكيّة تتعلّق أكثر بحساسيّة الحركة، حاولت أن تصوغ ذلك بالخطوط والألوان الّتي أخضعتها لأسلوب فعلاني حركي باحثة عن تناغمات ملمسيّة وحسّيّة وبصريّة، ليتحوّل الفضاء الفنّي بصريّا إلى اللاّمكان إذ لا يمكننا تحديد هويّة معيّنة له.

ليس قليلا أن تدعوك الفنّانة نجوى عبد المقصود في عملها « vision spéciale » إلى تعدّد المشهديّات المستلهمة من واقعها المعاش الّذي كان لها حافزا لاكتشاف مفردات بصريّة ذات إمكانات تعبيريّة وجماليّة أسهمت في إثراء تجربتها الفنّيّة ، أين يتجلّى حضور بارز لعنصر الخطّ، وذلك لما تتميّز به لوحتها من قوّة إنفعال وحركة تلقائيّة إعتمدت فيها توزيع الألوان بطريقة سريعة على الحامل، واعتماد السّطوح المتجاوزة الّتي توحي بالمكان، مكوّنة أمكنة حالمة تجعل المتلقّي يتوه وسط عوالم التّشكيل والإبداع. ليتحوّل فضاء اللّوحة إلى ظاهرة سوسيولوجية تتحوّل فيها الأشكال والغرافيزمات إلى نظام من المعاني والإشارات، تعبّر عن طاقة الإبداع لدى الفنّانة.

وفي ظلّ سعي الفنّان الدّؤوب وبحثه عن التّجديد والإبتكار في الفنّ، تطلّ علينا الفنّانة سميّة الحمداني بعملها "إشعاع موسيقي"، والّذي جمعت فيه بين تقنيتي التّصوير والنّسيج، لتتحوّل اللّوحة إلى "لوحة منسوجة" تداخلت فيها الخطوط والخيوط محقّقة مبدأ الشّعور بالحركة، والّتي تعدّ بدورها من بين أهمّ أسس بناء العمل الفنّي المعاصر، وأوّل عنصر تستجيب له العين وتتأثّر بقوّتها. أمّا الفنّان محمّد سحنون فقد اختار في عمله "رؤية" أن ينحت اللّوحة ليحوّل سكون سطحها إلى نتوءات وتموّجات منحته ثراء بصريّا وملمسيّا، وذلك عن طريق تطويع أشكاله الحروفيّة وفق تكوين بنائيّ محكم تجلّى فيه مفهوم التّراكب والتّكرار في بعض الأحيان.

أمام هذا الزّخم الهائل من الأعمال الفنّيّة وتعدّد الإختصاصات، نتبيّن بروز معايير جماليّة مغايرة لما سبق، معايير تدلّ على لحظة إكتشاف علاقة جديدة بين شيئين أو بين أشياء لم يكن أحد يتصوّر وجود علاقة بينهما سواء كان ذلك على مستوى المواد أو التّقنيات... حيث أنّ علم الجمال فنّ يتغيّر ويتطوّر. ففنّ الخزف الّذي اعتبر الباحثون ظهوره متزامنا لظهور الإنسان، إلاّ أنّنا نرى تجاوزا حقّقه الفنّانون لما هو تقليدي، وأسّس كلّ منهم لنفسه طابعه الخاصّ الّذي يميّزه، وذلك من خلال ابتكار أشكال جديدة مثّلت لهم منطلقا بحثيّا تشكيليّا له أبعاده الجماليّة وقيمته التّعبيريّة، وهو ما نتبيّنه في عمل الفنّانة مكّيّة الشارمي والفنّان بلحسن الكشو.

كما نلاحظ حضورا متميّزا لفنّ الحفر بمختلف تقنياته الّتي مكّنته من اكتساح مجالات أرحب في الإبداع، إذ لم يعد يقتصر هذا الفنّ على القيم الضّوئيّة (الأبيض والأسود) بل أصبح يعتمد الألوان ومختلف الطّرق التّعبيريّة والأساليب التّشكيليّة الجديدة. فرغم الصّعوبات التّقنيّة لهذا الإختصاص وتراجع وعي وتفاعل المتلقّي معه، إلاّ أنّنا نرى ثلّة من الفنّانين ينتجون أعمالا فنّية غاية في الرّوعة تحمل روح التّجديد والإنفتاح، مثل الفنّانة سلوى العايدي والفنّانة لبنى عبد مولاه والفنّانة فاطمة دمّق... فرغم إختلاف التّقنيات وتنوّعها إلاّ أنّ كلاّ منهنّ استطاعت أن تكوّن عالمها الإبداعي الّذي تحكمه نظم ومعايير جماليّة تختلف من تجربة لأخرى. فرغم ما قدّم من أعمال تخصّ فنّ الحفر إلاّ أنّه يظلّ يشتكي نقصا كبيرا على مستوى الإنتاج الفنّي رغم عراقته والإمكانات الثّريّة الّتي أصبح يتمتّع بها، وذلك يعود، حسب رأيي، لنظام التّدريس المتّبع في المعاهد العليا الّتي يغيب في أغلبها هذا الإختصاص، ربّما لعدم وجود مختصّين في بعضها وخاصّة منها الدّاخليّة، إلى جانب عدم اقبال الطّلبة على اختيارهم لشعبة الحفر، كما هو الحال لبعض الإختصاصات الأخرى كالنحت والفسيفساء والخزف... والّتي تشتكي عجزا كبيرا ممّا أدّى إلى حذفها في بعض المعاهد.

وللفوتوغرافيا أيضا مكانة هامّة في صالون صفاقس، باعتبارها من بين أهمّ وسائل التّعبير المعاصرة، اعتمدها بعض الفنّانين لمعالجة بعض المفاهيم تشكيليّا، مفاهيم مشتقّة من بيئتهم، من حياتهم اليوميّة، ومن مجتمعهم الّذي لا يستطيعون الإنسلاخ عنه أو عن قضاياه السّياسيّة أو الإقتصاديّة أو الإجتماعيّة، متجاوزين الدّور الّذي اقتصرت عليه الصّورة الفوتوغرافيّة قديما، بكونها نقل للواقع تحمل في طيّاتها جانب التّوثيق، لتصبح وسيلة لإعادة صياغة الواقع برؤية تشكيليّة معاصرة، تعتمد على الجانب المفاهيمي وأهمّيّته في العمل. حيث نجد في الأعمال الفوتوغرافيّة المقدّمة العديد من الإستعارات الفكريّة الّتي عهدناها لدى العديد من المدارس والإتّجاهات الفنّيّة، ساهمت في انعتاق الفوتوغرافيا من قبضة اللّحظة الجامدة (النّموذج)، وبذلك تكون الصّورة الفوتوغرافيّة المعاصرة بمثابة ردّ فعل على السّائد، وذلك بالبحث عن المغاير والمعاصر. وفي هذا السّياق، اتّخذت الفنّانة غادة بوزقندة الواقع منبع استلهام، لتصبح الصّورة الفوتوغرافيّة المعاصرة بالنّسبة لها تأويلا ونقدا لحدث أو لمشهد مأخوذ من الحياة اليوميّة قصد تحويله إلى أثر فنّيّ وفق أساليب معيّنة مكّنتها من الإنتقال من الواقع إلى التّشكيل، ومن الخاصّ إلى العامّ، أي من الذّاتي إلى الجماعي. ومع الفنّان كريم عبد مولاه في عمله "المتمرّدة"، اختار بناء صلات جديدة بين الفعل التّشكيلي وجسد المرأة، ساعيا لإيجاد علاقات بين الشّكل المادّي والمضمون التّعبيري لمكوّنات بنية عمله الفنّي. حيث عمل على تطويع الجسد الأنثوي وطاقاته التّعبيريّة في تجربة فوتوغرافيّة معاصرة، وسط مسرحة سينوغرافيّة طغت عليها لعبة الأضواء.

إنّ هذه الأحداث والمناسبات الثّقافيّة الوازنة الّتي تقع في بلادنا من حين لآخر وبصورة مستمرّة كإقامة المعارض الفنّيّة مختلفة الإختصاصات والّتي تجلب عددا هامّا من الزّائرين، والّذين أصبحوا بدورهم على درجة عالية من الوعي الفنّي أدخلت حركيّة واضحة في المدن الّتي تقام فيها، وبثّت في نفوس النّاس أنسا وبهجة، وساهمت في جعل بلادنا تحاول مواكبة التّطوّر الإبداعي في العالم، إلى جانب دعم الثّقافة والإبداع داخل ربوع الوطن. كذلك لا ننسى أنّ هذه المعارض الفنّيّة تحرّك روح البذل والتّطوير لدى الفنّانين، وتحفز هممهم لمزيد الإبداع والتّألّق، ولنا في صالون صفاقس السّنوي النّموذج الأمثل، حيث شاهدنا زخما هائلا من الأعمال الّتي لامست الرّوعة، وأقنعت الجميع تقريبا بأنّ تونس تمثّل ينبوعا من المبدعين لا ينضب أبدا، وأمتعت زوّار هذا الصّالون بأعمال فنّيّة تحمل كثيرا من الإبتكار الّذي يتجاوز المألوف وبأساليب فيها الكثير من التّجديد، كما لاحظنا تآلفا وتكاملا بين مختلف الإختصاصات الفنّيّة الّتي احتواها الصّالون، وكان قاسمها المشترك تقديم ماهو ليس معتادا ولا متداولا، وفيه كثير من الإصرار على التّفوّق والتّميّز فكان ما سعى له مبدعو مختلف الإختصاصات.

كذلك فتح الصالون أحضانه لأعمال فنّيّة عديدة لمواهب شابّة تشقّ طريقها بثبات نحو النّجاح والتّألّق، تحمل رؤى وأفكارا فيها الكثير من التّحدّي وحبّ فرض الذّات، ندعو الأساتذة والفنّانين أصحاب الخبرة الطويلة لرعايتها وشدّ أزرها ومواصلة تأطيرها، فهي رصيد تونس الغالية في دنيا الإبداع، وهي مستقبلها المشرق كما ندعو السّاهرين على حظوظ الثّقافة والفنون في بلادنا إلى مزيد توفير متطلّبات النّجاح لهم ولكلّ المبدعين، ممّا يدفعهم جميعا إلى التّميّز والتّألّق، فشجرة الفنّ لا تثمر إلاّ إذا سقتها مياه التّشجيع.

خلود الدريدي- باحثة في الفنون التّشكيليّة